|
نحو الأعالي
الأحد الثالث من الصليب
أنجيل متى (15: 21-38)
يتخذ القسم الأول من قراءة الانجيل لهذا الاحد، والمأخوذ من الفصل الخامس عشر من أنجيل متى، والذي يقدم لنا لقاء المسيح مع المرأة الكنعانية (21-28)، يتخذ مكاناً مركزياً في فكرة الاحد وتصميمه. غير أن النص تليه عدد من الآيات التي تحمل في طياتها اخباراً متعددة عن نشاط يسوع الشفائي (29-31) لتختتم القراءة بذكر خبر معجزة الخبز والسمك(32-38). كل هذه الاخبار يقدمها متى لسامعيه ليس كمجرد خبر عادي بل يتعداه ليكون خبراً ساراً –اونكليون- لجماعة فيها أشخاص من جماعات جديدة تسمع للمرة الاولى عن شخص يدعى يسوع الناصري وخبره. وحتى نركز نظرنا على قطعة واحدة نحاول التأمل بالقسم الأول لما يحمله من أسئلة تبغي الإجابة في كل زمان ومكان.
مباشرةً يضعنا متى في أجواء اللقاء:" ثُمَّ خَرَجَ يسوعُ مِن هُناكَ وذهَبَ إِلى نَواحي صُورَ وصَيدا"(21). ذكر الموضع الجغرافي له رسالة خاصة عندما نعرف ان متى كان يكتب أنجيله لجماعة تعرف جيداً تاريخ وجغرافية فلسطين وما تحمله من حساسيات بين الشعوب الساكنة حولها. هذه الاشارة المكانية هي اشارة الى كل ما هو خارج إسرائيل، أي خارج حدود شعب الله، خارج كل من يعترف باله الاباء. هذا الخروج هو التمرد والاشراك مع الله قوى الطبيعة والأصنام بعبارة مختصرة كل ما هو نجس وغير طاهر-قبل هذا المقطع نجد متى يطرح قضية الطاهر والنجس (15: 10-20) وجواب يسوع عليه. إضافة للعامل المفرق الأول بين طرفي اللقاء-يقول النص:"وإِذا امرأَةٌ كَنعانيَّةٌ خارِجَةٌ مِن تِلكَ البِلادِ تَصيح:((رُحْماكَ يا ربّ ! يا ابنَ داود، إِنَّ ابنَتي يَتَخَبَّطُها الشَّيطانُ تَخَبُّطاً شديداً)).(22) نحن أمام امرأة بكل ما تعني الكلمة من حواجز وعقبات في طريقة التعامل معها في مجتمع يسوع. امرأة بدون اسم بدون هوية، أنها لا تمثل نفسها فقط بل شعبها وتوجهه ورغباته وأمانيه بالتحرر، أسلوب كتابي نجده على طول الكتاب المقدس عبر شخصيات أمثال: راعوث والسامرية وغيرهن. يتضح لنا الأمر عندما نندهش أمام منادة الامرأة ليسوع بأن تطلب الرحمة والشفاء لأبنتها ليس بأن تقول:" ارحمها" بل تقول" رحماك أو ارحمني" تقولها وتكررها مرة ثانية بنفس الأسلوب في الآية (25)..
القضية هي أم تطلب شفاء ابنتها ولكن متى يضع الأنظار تتسلط ليس على معجزة الشفاء بل على إبراز أيمان هذه المرأة الوثنية، ويسوع كعادته يقدم درساً جديداً في لقاءه معها في كيفية ان خبره قد انتشر حتى بين الأمم خارج إسرائيل. المرأة لم تعرف أسفار التوراة ولا الأنبياء بل جاءت على ما سمعت والسماع أول خطوة في الأيمان ويتجلى أيمانها بلجاجتها واصرارها ان تنال ما تريده رغم عدم جواب يسوع (23) الذي يمكننا ان نفهمه على ضوء مجتمع يسوع وتقاليده بعدم مخالطة الوثنين. ولكن ماذا أراد يسوع من سكوته؟ بالتأكيد قدم لنا كيف ان البشرى السارة لن تبقى مقتصرة فقط على: الخراف الضالة من بيت إسرائيل (24) والفضل لهذه المرأة عبر ما تقدمه من فعل سجود مقترن باستغاثة تجد صداها في قلب يسوع الكبير. جواب يسوع القوي والذي قد يعتبره البعض اهانة:" لا يَحسُنُ أَن يُؤخَذَ خُبزُ البَنينَ فيُلْقى إِلى صِغارِ الكِلاب" (26) لم تعتبره المرأة اهانة بل حفزها ان تنطق بلغة ايمان بسيطة لتعبر عن ان الله يدعو الكل دون تمييز ولا تفرقة الكل هم أبناء الله.استعمال يسوع لتشبيه الكلب هو تقليدي في المجتمع اليهودي، كل من هو ليس من شعب إسرائيل هو أممي وتوصف الشعوب الوثنية بالكلاب. يسوع لا يهين بل يعرض واقع حال الى ما تنتمي إليه المرأة من شعب يجهل اله إسرائيل، لكن رغم ذلك فكل البشر مدعون ان يتنعموا بعطايا الله. جواب المرأة الصريح والمعبر المؤمن شدد عليه يسوع وجعله مثلاً يحتذى به: "فأَجابَها يسوع:((ما أَعظمَ إِيمانَكِ أَيَّتُها المَرأَة، فَلْيَكُنْ لَكِ ما تُريدين))"(28). فجاء شفاء ابنتها جواباً على ايمانها. هذا اللقاء ما كان ليكون لولا حركة الخروج التي قامت بها المرأة تجاه يسوع، تاركة وراءها أرثا ثقيلاً من الرفض وعدم قبول الله في حياة شعبها، خروج من الأنانية والتكبر والتوجه بثقة نحو مصدر النعم. لقد ميزت المرأة في يسوع " ابن داود"(22) اي سيرة حياة وقصة لقاء اله إسرائيل مع شعبه وكيف انه يقوده في تعاريج الحياة. خروج المرأة الكنعانية تبعه خروج من يسوع تاركاً كل فكرة ضيقة او محاولة تمييز أو انتقاص لأي انسان كان، مهما كانت هويته ولغته وثقافته والتخلص من الأفكار المسبقة التي قد تعيق اللقاء.
ان الدرس المعطى لنا اليوم من أنجيل هذا الاحد هو ان نغرس فينا قابلية الخروج نحو، نحو من نجد فيه الحقيقة وينبوع كل رحمة، خروج متكرر لعبور منتصر غير قابل للمساومة، خروج متخلٍ عن كل حمل يعيق التقدم نحو. هل لنا اليوم شجاعة الكنعانية التي نالت ما اردات؟ هل خروجنا نحو الله هو على مثالها؟ أسئلة يدعونا النص ان نتأمل بها ونحملها معنا. الكنعانية عاشت أول فصح لها عندما التقت بيسوع وكان فصح حياتها المجدد. وبفكرة بسيطة للسنة الكهنوتية، يدعو الانجيل كل الكهنة ان يكونوا على مثال الكنعانية في استعدادها للجواب والفوز بما تريد، هذا الجواب لا يأتي من فراغ بل عن ايمان وقناعة ورجاء. ايمان يأتي بعد خروج. خروج عن الدوائر الضيقة في الحياة وكل ما يعيق التقدم والنضج في مسيرة الكاهن الكهنوتية، دون ان يميز الكاهن الآخرين حسب تصنيفه هو من مثقفين أو أميين أو حسب انتمائهم المكاني أو اللغوي وغيره. حركة الخروج هذه لها جذورها في دعوة الكاهن، فهو رجل الخروجات المتعددة في الحياة من اللحظة التي قرر فيها ان يخرج للقاء من دعاه حين تخلى وتجاوز وقبل اي ينطرح ويسجد تحت اقدام يسوع. الخروج هو فصح متكرر ليس في حياة كل كاهن بل في حياة كل انسان.
الموعظة/ بقلم الأب جنان شامل
|